اللي بيكتب بالدم
أنا عارف إن فيه ناس ممكن تعتبر اللي هقوله تهريج أو توتر زيادة عن اللزوم بس أنا هحكي وهسيبك تحكم.
أنا اسمي مش مهم بس اللي مهم إني بكتب.
بكتب من سنين على بلوج قديم محدش بيقرأه غير ناس زهقانة في دار نشر واقفة على رجل ونص.
الريح فيها بتعوي والأرضية بتزيق وريحة العفن ساكنة في الحيطان.
أنا مش صحفي استقصائي ولا بشتغل في جورنال معروف
أنا مجرد واحد بيقول الحقيقة بصوت عالي حتى لو مفيش حد بيسقف.
في مرة من سنتين كنت كاتب عن مقاول كبير كان واخد أرض دولة وباني عليها برجين من غير ترخيص.
المقال نزل الساعة ١٢ بالليل.
الساعة ٧ الصبح المقاول دة كان متغطي في كفن.
الناس قالو أن هيا مجرد حدثه.
ساعتها ضحكت وقلت صدفة.
بس ماعرفش ليه وأنا بضحك إيدي كانت بتترعش.
بعدها بشهرين كتبت عن دكتور بيبيع أعضاء بشرية جوه مستشفى خاص.
المقال انتشر الناس شيرت وأنا بصراحه حسيت إني جامد.
بعدها بأسبوع الدكتور اختفى.
وحرفيا مختفي لا أهل ولا صحاب ولا حتى عنوان.
ومن هنا بدأت الحكاية.
كل مرة أكتب عن حد خصوصا الفاسدين اللي بيفلتوا من القانون لازم
بيحصله حاجة.
يموت بقا يختفي العربية تتقلب كل مرة على هذا الحال!
وفي نص الليل لما الدنيا بتبقى هادية
بييجي السؤال:
هو أنا اللي بفضحهم ولا حد بيستنى قلمي يكتب ويخلص هو الشغل؟
هو أنا صاحب رسالة؟
ولا شريك في دم؟
ولا مجرد "أداة" في إيد حد معرفوش؟
الفلاش باك اللي دايما بييجي في دماغي
لما كنت واقف قدام قهوة في وسط البلد وواحد معدي قاللي:
"استمر بس خليك حريص."
ومشي.
أنا معرفوش بس جملته بتلف في دماغي لحد دلوقتي.
المشكلة؟
كل ما الدم بيزيد الشهرة بتعلى.
وكل ما الناس بتتابعني أنا ببعد عن نفسي.
اللي بيكتب بالدم دايما بيدفع التمن
بس المشكلة إنك ممكن ما تبقاش عارف
هو التمن إيه؟
ولا إمتى هييجي.
----------------------------------------------------------------------------------
الساعة كانت 9:43 الصبح.
أنا كنت قاعد على الكرسي اللي بيزيق في أوضة فوق سطح دار نشر "نهضة الشمس" اللي حرفيا اتهجرت والشمس ما بتدخلهاش.
الحيطان فيها بقع سودة من الرطوبة.
الفطار؟ باكو بسكويت بشاي بارد.
والمزاج؟ بين القرف واللا مبالاة.
والجو؟ حر زيادة عن اللزوم.
دخلت على اللاب شغلت المروحة وفتحت المدونة.
عنوانها كبير كده:
"كلام على الهوا" – اللي مش بيشتري بيقرا.
عدد الزوار؟
203 النهاردة يعني أكتر من إمبارح بـ12 واحد.
مش كتير بس بالنسبه للمجتمع اللي إحنا فيه ده يعتبر إنجاز.
بدأت أكتب موضوع جديد مش تحقيق ولا سبق مجرد تدوينة كده عن شركة مقاولات شغالة في مشروع إسكان وبيقال إنها بتستخدم مواد مغشوشة.
الموضوع جالي من جار واحد صاحبي كان شغال هناك واتطرد لما قال لرئيسه "الحديد مش مطابق".
كتبت العنوان:
"عمارة من ورق وساكينها بني آدمين."
وابتديت السرد:
"اللي بيشتغلوا في شركة “عماركو” عارفين إن الأسمنت فيه حاجة غلط.
مش بيقولوا لإن اللي بيقول بيترفد من الشركة.
بس الحكاية دلوقتي مش في الأسمنت الحكاية إن العمارة اتحجز فيها أكتر من 80 شقة ولسه تحت الإنشاء والسؤال:
لما تقع هنقول قدر؟
ولا هنقول مش معروف السبب؟"
السطور كانت نازلة لوحدها إيدي بتتحرك كأن حد بيكتب مكاني بس أنا كنت مستمتع.
بعد ما خلصت عملت publish
وسبت البوست يتنشر على كل الصفحات وفضلت باصص للشاشة كأنها هترد عليا.
بعدها نزلت على القهوة اللي تحت المكتب.
القهوجي اسمه "فوزي" راجل عدى الستين وشه اتحرق من الشمس والتعب.
قعدت في نفس الكرسي اللي جنب العمود.
شاي تقيل ومية ساعة وبصيت حواليا.
فيه شابين بيتخانقوا على بلايستيشن وواحد بيقطع ورق من الزهق وقاعد على كرسي بيزيق أكتر من بتاعي.
كل حاجة كانت شكلها عادي بس أنا كنت حاسس بحاجة مش مريحاني.
تليفوني رن.
رقم مش مسجل.
رديت.
ـــ "أستاذ ياسين؟"
ـــ "أيوه؟"
ـــ "المقاول اللي كنت كاتب عنه من شهر اللي في العبور اتوفى من شوية.
العربية قلبت بيه وهو راجع من الموقع."
ـــ "إنت مين؟"
ـــ قفل.
فضلت ماسك الموبايل كده شوية والشاي برد.
رجعت الأوضة فوق قفلت الباب وسحبت الكرسي قدام اللاب.
فضلت باصص على التدوينة اللي نزلت الصبح وكل حرف فيها كأنه مرسوم بالدم.
مش أول مرة يحصل كده بس كل مرة بحاول أقول لنفسي:
"صدف."
"ما يمكن كان هيموت كده كده."
"أنا مالي."
بس السؤال فضل يزن جوايا:
"هو أنا اللي كتبت ولا حد استنى كتابتي علشان يتحرك؟"
مفيش إجابة.
بس في إحساس.
وأسوأ حاجة في الدنيا لما الإحساس ما يبقاش عنده دليل.
----------------------------------------------------------------------------------
من كام سنة كنت بحب أدون كل حاجة بإيدي.
ملاحظات جمل أفكار حتى لو نص سطر مالوش لازمة
كنت بشيل نوت بوك صغير كده غلافه أسود وجواه ورق اصفر ناشف كأن الزمن عدى عليه بسرعة.
بس من فترة بطلت أكتب فيه.
لإن النوتة دي كانت بتسبقني.
وأنا بقلب في درج المكتب بدور على وصلة الموبايل لقيتها.
النوتة.
كانت محشورة تحت رزمة ورق قديم وباين عليها التراب بس اللي غريب؟
إنها مفتوحة من نفسها على صفحة مش متعود أشوفها.
سطر مكتوب بقلم جاف أزرق وخط مش خطي:
"كمال بدر الدين – ٢٣ شارع الجلاء – الدور التالت يمين"
وقفت كده!
مين كمال؟
وأنا ليه كاتب عنوانه؟
وإمتى كتبت ده؟
ومين قال إني كتبته أصلا؟
مسحت التراب قفلت النوتة ورجعتها.
بس اسم "كمال" ما سابش دماغي.
قلت أدور.
جوجل ما جابش حاجة.
بس العنوان؟
واضح وصريح.
الساعة بقيت ٥ العصر.
ركبت الميكروباص من وسط البلد ونزلت عند شارع الجلاء العمارة شكلها غريب مش متهالكة بس فيها برودة كده مش طبيعية كأن الشبابيك بتسمع والحيطان سامعة.
طلعت الدور التالت الباب مقفول بقفل معدن مش عادي تقيل أوي.
رنيت الجرس.
مفيش رد.
رنيت تاني.
بعد شوية الباب اتفتح
وشاب صغير في أواخر العشرينات وشه مرهق وعنيه زايغة
كان لابس تريننج باهت ومسك فنجان شاي نصه مية.
ـــ "أيوه؟"
ـــ "أنا كنت بدور على كمال بدر الدين؟"
وقف لحظة، وبصلي كأن اسمي بيقول مصيبة:
ـــ "كمال مات من ٣ أيام."
سكت.
ـــ "حضرتك مين؟"
ـــ "أنا صحفي. كنت بكتب عنه شوية حاجات"
ـــ "غريبة كمال ماكانش بيحب الصحافة.
بس قبل ما يموت، كان ماسك نوتة بيكتب فيها حاجات مش مفهومة،
وقاللي جملة غريبة مش فاهمها لحد دلوقتي:
(اللي بيكتب عنهم بيختفوا
بس اللي بيكتب عنهم من غير ما يعرفهم؟ ده اللي بيتكتب هو.)"
الولد قفل الباب، وأنا واقف في السلم مش قادر أتحرك.
رجعت المكتب، فتحت النوتة تاني
لقيت صفحة جديدة، مش كنت شايفها قبل كده.
الاسم:
"فادي السواح"
مفيش عنوان.
بس الاسم مكتوب بنفس الخط
اللي مش خطي.
أنا دلوقتي بقيت خايف أكتب.
بس الأغرب
إني مش قادر أبطل.
الناس بتموت؟
أنا مش متأكد.
لكن اللي متأكد منه؟
إن في حد تاني بيكتب، بس بيستخدم إيدي.
واللي حصل مع كمال؟
ممكن يحصل معايا.
الجو في الأوضة بقي بارد، والمروحة مطفية.
اللمبة نورت مرتين، وطفت لوحدها.
ورق الطابعة طبع ورقة واحدة من غير ما أطلب.
بصيت فيها.
كان مكتوب بخط كبير:
"اللي بعده بيكون دايمًا أقرب مما تتصور."
----------------------------------------------------------------------------------
من 8 شهور.
الجو كان صيف، بس مش حر، كان في نَفَس غريب في الهوا
كأنك خارج من أوضة فيها تكييف، ودخلت شارع مولّع
بس الشمس مش باينة.
كنت لسه ناقل مدونتي على دومين جديد،
وقررت أبدأ بسلسلة تحقيقات عن "فساد المحليات".
عنوان خفيف، و"مستفز".
بدأت بأصغر حاجة:
قضية تموين.
فيه مخبز في حي شبرا بيستلم دقيق مدعّم، ويبيعه لتجار العلف.
القضية بايخة، ومكررة، لكن لفت نظري إن كل مرة حد يشتكي بيخفي الشكوى.
واحد من الشباب اللي بعتلي، اسمه "مينا"، كان ساكن فوق المخبز،
بعتلي صور وفيديوهات
والأغرب إنه كتبلي:
> "أنا مش عايز شهرة بس اللي تحتيا دول مجرمين بجد.
لو حصلي حاجة بلغ أمي."
ضحكت وقتها.
كتبت البوست.
عنوانه كان بسيط:
"رغيف الدم… لما الفساد يتعجن بالعادي."
نشرت المقال
ونسيت.
بعد أسبوع، دخلت المدونة ألاقي أكتر بوست عليه تعليقات هو ده.
بس من وسط الكومنتات، فيه واحد علّق بتعليق غريب:
"الواد اللي ساكن فوق المخبز وقع من الدور الرابع.
عينك قوية."
ماخدتش بالي
قلت حد بيهزر، أو إشاعة.
بس بعدين بالليل
جالي إيميل من حساب مجهول.
فيه صورة لبوست عزاء، مكتوب فيه:
"البقاء لله مينا يوسف، في ذمة الله."
ساعتها حسيت إن في حاجة مش طبعية.
بس دماغي لفتها على إنها صدفة تانية.
رجعت أكتب كأن مفيش حاجة.
دلوقتي وأنا قاعد في نفس الأوضة، بفتكر كل ده.
بفتكر إن مينا كان أول اسم
بس أنا ماخدتش بالي.
كلو جه بعده.
كمال، الدكتور، المقاول
واللي جاي.
أنا مش نبي.
بس في حاجة مش طبيعية.
أنا بكتب، والدنيا حواليا بتسخن، والناس بتقع واحد ورا التاني.
السؤال الحقيقي بقى:
هو فيه حد بيراقبني
ولا فيه "شيء" بيكتب بيا؟
----------------------------------------------------------------------------------
الساعة كانت داخلة على ١١ بالليل.
الأوضة كانت هادية أكتر من اللازم، ولا صوت غير تكتكة المروحة والكيبورد.
كنت بكتب بوست عن واحد عضو مجلس محلي،
معروف عنه إنه "شبعان"، بس فجأة بقى بيبنِي عمارة في الهرم، وعربية مرسيدس جديدة،
والناس بتقول: "ربنا بيكرم".
وأنا بقول: "ربنا مش بيشتغل صراف آلي".
وانا براجع اللي كتبته، جالي نوتيفكيشن على الإيميل.
رسالة جديدة.
العنوان:
"خلّي بالك من اللي بتكتبه"
فتحت الرسالة.
كانت فاضية
بس تحت كده، مكتوب سطر صغير جدًا، بلون رمادي:
"الراجل اللي كتبته عنه في مقال ١٧ مارس مات إمبارح، مراته بتقول اسمه اتكتب عندك قبل ما يختفي بيومين."
اتجمدت.
رجعت بصيت على الأرشيف.
مقال ١٧ مارس؟
آه ده بتاع "حسن الجبالي"، الراجل اللي كان بيشتغل مدير في مركز شباب
وقلت إنه بيأجر الملعب بـ٥٠٠ جنيه في الساعة "من تحت لتحت"،
والورق الرسمي بيقول "بلاش".
فعلاً حسن اختفى بعدها بأسبوع.
قالوا "سافر".
بس معرفش حد قال راح فين بالظبط.
بعدها بيومين، وأنا نازل من المكتب، لقيت ورقة محشورة تحت مسّاحة العربية.
مكتوب عليها:
> "إنت مش صحفي إنت سلاح بيتشحن بكلمات."
من غير إمضاء.
من غير عنوان.
بس الحبر كان لسه جديد كأنها اتكتبت حالًا.
تاني يوم، جالي تليفون.
ـــ "أستاذ ياسين؟"
ـــ "أيوه؟"
ـــ "حضرتك بتكتب في مدونة ‘كلام على الهوا’، صح؟"
ـــ "مين معايا؟"
ـــ "أنا عاوز أقابلك
أنا اشتغلت مع واحد كنت كاتب عنه من ٣ شهور.
وعاوز أقولك حاجة"
ـــ "قول دلوقتي."
ـــ "ما ينفعش.
لو قلت في التليفون ممكن ما نوصلش للمقابلة.
بس أنا شايف إنك لازم تبطل تكتب."
ـــ "ليه؟"
ـــ سكت شوية
ـــ "علشان في ناس
بتستنى اللي تكتبه، علشان تتحرك."
اللقاء ما حصلش.
الراجل اللي كان عايز يقابلني
اسمه طلع "فادي السواح".
نفس الاسم اللي كان مكتوب في النوتة.
وتاني يوم
لقيت خبر في صفحة حوادث صغيرة:
"العثور على جثة شاب في شقته بالعباسية – لا توجد شبهة جنائية."
أنا مش ببالغ.
بس واضح إن في حاجة بتحصل بعد ما بكتب.
مش سحر، ولا لعنة.
بس في حد أو جهة
بتستغل اللي بكتبه،
كأنه "أمر تنفيذ".
أنا بقيت أداة.
وبدون قصد
أنا ممكن أكون قاتل.
-------------------------------------------------------------------------------------
أنا مش بعرف أرد على التعليقات دايمًا.
بس لما لاقيت حد كاتبلي:
"أنا أخو اللي مات بسببك… وعايز اقعد معاك"
قلبي وقف.
البوست اللي اتعلق عليه كان بتاع "حسن الجبالي" – مدير مركز الشباب.
الاسم اللي أنا افتكرت إنه مجرد فاسد صغير، واختفى بعد مقالتي، وساعتها ما سألتش بس المرة دي، السؤال جالي لحد عندي.
بعتله في الخاص.
قلتلُه:
ـــ "فين نقدر نقعد؟"
رد بعدها بنص ساعة، بمكان: كافيه في الحلمية، الساعة ٧ مساءً، واسمه "أكرم".
دخلت الكافيه، لابس كاب ونظارة سودا كإني عامل فيها لعيب كورة في فترة نقاهة.
هو كان قاعد لوحده، ماسك كباية عصير، وشه هادي أكتر من الطبيعي.
ـــ "أنت ياسين؟"
ـــ "أيوه"
ـــ "أنا مش هطوّل.
أخويا مات بعد ما نشرت صورته وفضحته.
مكنش ملاك، بس مكنش يستاهل يموت."
ـــ "أنا… أنا ما كنتش أقصد المقال كان عن الظاهرة مش هو تحديدًا."
ـــ "ما تقولش كده.
أنت كتبت اسمه ٣ مرات، وحطيت صورته،
وعملت فيه كأنك القاضي والجلاد."
ـــ "بس أنا ما موتّهوش"
سكت شوية
وقاللي الجملة اللي حسمت كل حاجة:
> "بس أنا عرفت مين اللي بيقتل بعد مقالاتك."
بصيت له، وأنا مش فاهم.
ـــ "إزاي؟"
قال وهو بيشرب رشفة طويلة:
ـــ "كنت شاكك في حد.
صاحب منصب بس بيحب يشتغل نظيف، وبيكره الشوشرة.
وبيكره إن الإعلام يفضحه، حتى لو بالحق.
أنا تابعت البوستات بتاعتك، وكل ضحية كان في خيط بيجمعها بالشخص ده.
وكل مرة، قبل الضحية ما تختفي بيكون في حد من رجالة الراجل ده حواليه."
ـــ "يعني أنا باتكلم، وهو بيتحرّك؟"
ـــ "أنت بقيت جهاز إنذار ليه.
أنت بتحدد الهدف وهو بيخلّص."
سكت.
بصيت له، وسألته:
ـــ "طب ليه بتقولي الكلام ده؟
ما كنتش هتسيبني أعدي؟"
رد:
ـــ "لإني هربت.
وسايبلك الإحداثيات."
وفتح شنطته، طلع منها ظرف صغير،
دفعه ناحيتي، وقال:
ـــ "فيه عنوان بيت في المعادي.
لو وصلت له، هتفهم كل حاجة.
بس خد بالك
من اللحظة دي، أنت بقيت طُعم."
مشيت وقلبي بيدق.
رجعت البيت، فتحت الظرف.
كان فيه عنوان مكتوب بإيد مرتعشة، وعليه جملة بخط رفيع:
"لو فتحت الباب ده ماينفعش تقفّله تاني."
----------------------------------------------------------------------------------
المعادِي ساعة المغرب، الشارع هادي بشكل مريب، والبيوت حواليك تحسها عايشة بس ما بتتنفسش.
كنت واقف قدّام البيت اللي مكتوب في الورقة
مش عمارة، بيت قديم، بوابته حديد صدية،
وإزاز الأوض مطفي كأنه ما شافش نور من سنة.
فتحت البوابة، كانت خفيفة جدًا لدرجة إني شكّيت إنها متقفلتش من سنين.
مشيت خطوة
وبعدين سمعت صوت بووت جلد بيدوس على الأرض ورايا.
لفّيت بسرعة
مفيش حد.
دخلت.
جوه البيت كان في ريحة قديمة
ريحة ورق محروق
ريحة خوف.
الدور الأرضي كان شبه مهجور.
بس على الحيطة، كان فيه حاجات معلّقة.
صور مطبوعة من مقالاتي.
بوستات من المدونة.
خطوط حمرا على أسماء ناس كتبت عنهم.
والكلمة اللي كانت مكتوبة في النص بخط كبير:
"تحرك لما تكتب"
قلبي وقع.
ده مش بيت مهجور.
ده أرشيف.
مقر شُغل.
أنا كنت فاكر إني باكتب لوحدي، بس واضح إن في جهة بتقرأ ورايا
وبتتحرك.
بديت ألف في البيت، لحد ما وصلت لأوضة شبه مكتب.
لقِيت دوسيه أسود مكتوب عليه:
"إشارات – سلسلة التصفية"
فتحت أول صفحة، ولقيت صور ناس كتبت عنهم، وتحقيقات مش منشورة، و"علامات" جنب أسامي معينة.
والكارثة؟
آخر صفحة كان فيها صورتي
وبالخط الأحمر:
"خرج عن السيطرة"
سمعت صوت حاجة بتتكسر فوق.
زي حد بيقفل شباك بسرعة.
قلبي سابني.
طلعت أجري، نطّيت من فوق سور الجنينة، وطلعت الشارع.
بس أول ما وصلت للشارع الرئيسي
لقيت عربية سودا متسوّدة راكنة.
فيها واحد بيكلم في السماعة
وبص ناحيتي، وهز دماغه، كأنه بيقول:
"اتسجلت".
رجعت البيت وأنا مش عارف أنا إيه دلوقتي.
كاتب؟
شاهد؟
ولا متهم؟
كل اللي أنا متأكد منه دلوقتي:
الكلام مش مجاني
وكل حرف ليه تمن.
----------------------------------------------------------------------------------
رجلي كانت بتوديني، مش عقلي.
خدت المترو، ونزلت محطة "السيدة زينب"، مشيت في نفس الطريق اللي كنت بمشيه زمان وأنا رايح دار النشر "أثر"، اللي بدأت فيها أول شغل، واللي كانت "حاضنة" للمدونة اللي قلبت حياتي.
كان شارع صغير، قديم، فيه رائحة كتب ورطوبة، وكان فيه يافطة مكسورة مكتوب عليها:
"دار أثر للنشر والتوزيع – ثقافة حرة أو لا شيء"
النهارده
مافيش يافطة.
مافيش باب.
مافيش دار.
نفس العنوان
بس مكانها محل أدوات صحية، بيبيع خلاطات وسخانات.
دخلت للمحل، وسألت الراجل اللي واقف:
ـــ "السلام عليكم هو دار النشر اللي كانت هنا راحت فين؟"
الراجل بصلي كأني مجنون:
ـــ "يا عم الحاج، أنا فاتح هنا من ٣ سنين
مافيش أي دار نشر."
ـــ "٣ سنين؟!
إزاي؟ أنا كنت هنا من سنة ونص وكنت بشتغل جوه!"
ـــ "تبقى غلطان.
اللي قبلي كان بتاع مفاتيح."
خرجت وأنا حاسس إني بمشي على أرض وهم.
لو الدار اختفت
يبقى كل شغلّي فيها راح فين؟
فين العقود؟
فين أرشيف المقالات؟
فين الناس اللي كنت بقابلهم؟
كلمت زميلة قديمة، "صفا"،
كانت بتشتغل في التصميم.
ـــ "يا صفا، فاكرة دار أثر؟"
ـــ "أثر إيه؟"
ـــ "دار النشر اللي كنا بنشتغل فيها؟ المدونة؟!"
ـــ "ياسين إحنا اشتغلنا سوا في جريدة إلكترونية، مش دار نشر.
وكان شغل فريلانس، مفيش مقر."
قلتلها:
"طب والمدونة؟!"
قالتلي:
ـــ"أنت كنت بتكتب في بلوجر لوحدك.
فاكر إنك كلمتني مرة وقلتلي: عايز أعمل موقع منظم بس لسه مفيش فريق."
قفلت مع صفا
ودمي بيتجمد.
كل حاجة كنت فاكر إنها ملموسة
اختفت.
أو بتتسحب من ذاكرتي بهدوء.
بدأت أسأل نفسي:
هل أنا اللي كنت موهوم؟
هل في حد بيعيد كتابة حياتي وأنا عايشها؟
ولا في نسخة تانية من الواقع
أنا كنت فيها كاتب،وبقيت "شبح" بيتخلصو منه بهدوء ؟
----------------------------------------------------------------------------------
رجعت البيت وأنا تايه ما بين شك وصداع.
كل الحيطان اللي كنت فاكرها ثابتة بتقع.
بس وأنا بقلب في درجي القديم، لقيت الفلاشة الصغيرة
اللي كنت بسجل عليها أفكار أول مقالاتي بصوتي.
"يمكن أفتكر حاجة يمكن ألاقي صوتي بيطمني."
ركبت الفلاشة في اللابتوب،
ولقيت ملف اسمه:
"draft0_me.m4a"
غريبة
أنا مافكرتش أبدأ عدّ من "زيرو" قبل كده.
بس يمكن عملته وأنا مش مركز.
فتحت الملف.
الصوت طلع صوتي
بس مرهق، متوتر، مش زيّي وأنا بحضر مقالات
كأنّي كنت بحاول أفتكر حاجة مش قادرة ترجع.
التسجيل:
> "الساعة ٣:٠٧ صباحًا
أنا ياسين
وهكتب المقال الأول في المدونة.
العنوان: الفساد بيبتدي من أول ما تطلع في دماغك فكرة إنك أقوى من القانون.
لو أي حد سمع التسجيل ده
يبقى غالبًا أنا اختفيت.
أو اتحذفت.
بس قبل ما يحصل لازم تعرف إن المقالات دي مش صدفة.
دي إشارات.
مرسومة.
ومتفق عليها."
هنا قلبي وقف.
إيه ده؟!
أنا اللي بقول الكلام ده؟
ده مش حتى أسلوبي.
كملت أسمع:
"أنا مش بكتب بس عشان أفضح
أنا بكتب علشان يوصلوا.
أنا وافق تعارف ده؟
وافقت أكون الوسيط.
من غير توقيع… من غير دليل
بس كل كلمة بتتكتب، بتتبعت لناس
وبيتحركوا."
سكتّ التسجيل شوية
"بس أنا بدأت أخاف.
لأن آخر مقال مش أنا اللي كتبته.
أو كتبته، بس مش بكامل وعيي.
أو
حد دخل على المقال وعدّل عليه قبل ما ينزل."
قفلت الملف.
ووقفت.
أنا مش بس بشك في الواقع
دلوقتي بشك في نفسي.
أنا اللي وافقت؟
أنا كنت جزء من اللي بيحصل؟
ولا في حد "دخل جوا دماغي"؟
ولا دي مجرد لعبة معمولة علشان تخليني أشك في كل حاجة
وأسكت.
-----------------------------------------------------------------------------------
يوم الأربع، الساعة ٢:١٣ بعد نص الليل،
جالي إيميل من حساب غريب:
ghost.sender@protonmail.com
الموضوع مكتوب فيه بس:
متقولش إنك مكنتش هناك."
والملف:
"CAM_07_ExitEast.mp4"
فتحت اللابتوب، شغلت الفيديو
كاميرا سودة وبيضا، واضح إنها مراقبة من مكان حكومي أو شركة كبيرة.
التاريخ:
نفس يوم اختفاء سيد إبراهيم
موظف في الحي، وكنت كاتب عنه قبلها بيومين.
اللقطة؟
بوابة خروج مبنى قديم.
وفي الثانية 19
ظهر أنا.
واقف جنبه.
مش شبهّي.
أنا.
نفس الجاكيت، نفس مشيتي، واقف باتكلم مع سيد، وبعدها مشينا سوا ناحية العربية.
أنا متأكد إني ما كنتش هناك.
وقتها كنت قاعد في القهوة، وباشرب شاي، وباكلم واحد صاحبي على الواتساب طول الليل.
بس المشكلة؟
مافيش صور.
ولا فيديوهات.
ولا إثبات.
كل اللي عندي "أنا عارف إني ما كنتش هناك".
بس قدّامي دلوقتي
فيديو بيقول العكس.
قعدت أرجع التسجيل تاني وتالت، أقرب الكادر أبطّأ السرعة
أدور على حاجة تثبت إن ده مش أنا.
بس فيه لقطة كسرتني.
بعد ما مشيت معاه، رجعت لوحدي، بصيت لكاميرا المراقبة، وابتسمت.
ابتسمت.
أنا ما ابتسمتش.
أنا ما كنتش هناك أصلاً.
رجعت فتحت الفلاشة القديمة تاني، بس المرة دي فتحت فولدر اسمه:
!NOIR-backups
كان فيه ملف واحد، مكتوب عليه:
"سجّل وافتكر يا ياسين"
لما شغلت الملف
الصوت كان لواحد بيقوللي:
"لو وصلت للمرحلة دي
يبقى كل حاجة حواليك اتكتبت قبل كده.
وانت مجرد بتنط من فصل لفصل.
افتكر
إنت اخترت تكون شاهد مش بطل."
-------------------------------------------------------------------------------------
"وشّ العنوان"
الساعة كانت ٥:٢٣ صباحًا.
الجو حرّ، بس قلبي ساقعة.
قعدت قدام اللابتوب كتبت في الجوجل:
"IP Trace tools – real-time analytics"
مشيت ورا أول موقع
دخلت الإيميل اللي بعتلي الفيديو.
لقيت السيرفر جاي من VPN، عادي.
بس مع شوية بحث
وصلت لحاجة غريبة:
نفس السيرفر ده
استخدمته جريدة إلكترونية قديمة جدًا، اتقفلت من ٨ سنين، واسمها؟ "الضمير الحي"
يااه.
أنا فاكر الجريدة دي.
كنت بقرأ منها مقالات كأنها نبوءات.
والناس اللي كتبوا فيها؟
كلهم اختفوا.
بس فيه اسم واحد كان بيظهر كتير
"مش عارف"
دورت عليه.
لا فيسبوك، لا لينكد إن، لا جوجل.
بس على أرشيف الإنترنت فيه مقالة قديمة جدًا مكتوبة بصيغة حوار،
وفيها جملة بتقول:
"الكاتب الحقيقي مش اللي بيحكي الحكاية هو اللي بيتكتب بيها."
حسيت بقلبي بيترجّ.
دخلت على source code للمقال، فلقيت metadata مخفية،
فيها إحداثيات.
مكان في أكتوبر، عند مخزن مهجور، مكتوب تحته:
"لو لسه فاكر إنت مين تعالى هنا."
روّحت، خدت شنطة صغيرة فيها فلاشة، باور بانك، كاميرا صغيرة، وسكينة مطبخ (ما تسألش).
ركبت عربية، ووصلت للمكان بعد المغرب بشوية.
المكان كان أشبه بمقبرة أفكار.
حيطانه مدهونة بجرافيتي مش مفهوم،
والباب عليه سلسلة مقطوعة.
دخلت.
لقيت طاولة فاضية،
وكرسي واحد.
وعليه لابتوب مقفول
ولزقة صفراء مكتوب عليها: "شغّله واقرأ"
شغلت اللابتوب.
فتح على فولدر اسمه:
YASIN_PROJECT_FINAL
جواه ٥ ملفات:
1. TARGETS.xlsx
2. TRIGGERS.docx
3. AUTHORIZED_SENDERS.csv
4. YASIN_LOGS_REC.m4a
5. EXIT_PROTOCOL.pdf
فتحت أول ملف.
كانت أسماء ناس كتير
كلهم اللي كتبت عنهم زمان
بالتواريخ، والأسباب، وجنب كل واحد
Status: ✅ Executed
فتحت ملف التريجرز، لقيت حاجة مرعبة:
كل مقالة بكتبها، كانت بتتبعت أوتوماتيك لسيرفر تاني، فيه جهة بتقرّر تتصرف.
يعني؟
كنت بدي أوامر تصفية.
قعدت على الكرسي وسمعت آخر ملف صوتي.
كان صوتي.
بيقول:
"لو وصلت هنا
يبقى مافيش غير خيارين:
١) تكمل وتبقى أنت الرأس اللي بعدها.
٢) توقف
بس هتختفي."
قفلت اللابتوب.
قمت.
بصيت حواليّا.
المكان فاضي.
لكن قلبي مليان.
السكينة في جيبي بس لأول مرة، دماغي مش عايز يستخدمها.
اللي جاي؟
قرار.
------------------------------------------------------------------------------------
رجعت الشقة.
قعدت على الأرض وفتحت اللابتوب بتاعي.
كتبت المقال الأخير، وكان عنوانه بسيط:
"أنا اللي كتبت واللي اتنفذ، كان بإيدي."
ما حاولتش أبرر.
ولا دافعت عن نفسي.
ولا حتى شرحت كل حاجة.
سِبت الكلام يوجّع.
والحروف تنزف.
كل سطر كنت بكتبه، كنت حاسس إنه آخر نفس.
مش خوف لا.
بس كأنك بتعترف بخيانة عملتها وإنت صاحي، بس فضلت تقول "مكنتش أقصد".
حطيت المقال على "البلوج".
ضغطت Publish.
الساعة كانت ٢:٤٤ صباحًا.
وقبل ما أقوم،
وصلتلي رسالة على موبايل نوكيا قديم كنت فاكره ميت.
الرسالة من رقم مجهول:
"اللي بيكتب بالدم
مش المفروض يشتكي لما ينزف."
فتحت الباب.
نزلت الشارع.
الجو كان هادي زيادة عن اللزوم.
أول مرة أحس إن المدينة بتسمعني مش أنا اللي بسمعها.
وأنا ماشي، اتكتبت آخر جملة في الرواية دي:
"ساعات الكلمة ممكن تنقذ بلد
وساعات الكلمة بتكون رصاصة بتدبح حد ما تعرفوش."
معرفش.
هو اختفى؟
اتصفّى؟
هرب؟
ولا لسه بيكتب بس باسم جديد؟
دي قصتك دلوقتي.
ولو قريتها لحد هنا…
فـ مبروك:
إنت كمان بقيت "